دانا دجاني: صوت الأرض المفقودة | Atlas Rommana | أطلس رمانة

دانا دجاني: صوت الأرض المفقودة

 


دانا الدجاني هي كاتبة وشاعرة وممثلة فلسطينية مدافعة عن القضية الفلسطينية والشؤون الإنسانية والعدالة الاجتماعية. حائزة على جوائز ومعروفة بتقديم وإلقاء الشعر بأسلوب مسرحي. من أهم أعمال دانا الشعرية "رسائل حب من فلسطين"، و "اخترت أن أكون فلسطينية" والتي تحدثنا عنها في مقابلتنا معها. ترعرعت دانا في سياقات شتات مختلفة ومرت في رحلة اكتشاف وتبني هويتها الفلسطينية عبر أعمالها، فيمكن اعتبار دانا مثال من الجيل الشاعر في وقتنا الحالي والذي يعبر عن نفسه وارتباطه بهويته الفلسطينية ودفاعه عن القضية الفلسطينية كفلسطينية من فلسطينيي الشتات.

بدأ الشعر الفلسطيني يظهر مع نشوء الأغنية الفلسطينية في شكلها البسيط الذي كان ينتقل عبر لسان الفلاح الفلسطيني. وفي ذات الوقت الذي كانت فيه المرأة الفلسطينية تعمل في الحقول وتطرز وتخبز وتطبخ، كانت تغني أيضاً. فالأغاني الشعبية الفلسطينية تروي تاريخ فلسطين في مختلف الحقب، وتعكس الكثير من حياة الناس ومجتمعهم وعاداتهم وحتى معاناتهم. وهكذا، يمكنك أن تروي تاريخ فلسطين من خلال مجموعة متنوعة من الأغاني الشعبية، التي قد لا نعرف مؤلفيها ولكنها ما زالت تتردد في الذاكرة وتقاوم لتبقى حية في الوعي الشعبي.

كانت موضوعات الأغنية الفلسطينية في أوائل ظهورها تتحدث عن موسم الحصاد وطقوسه وبهجته، وكانت النساء تغني للعروس "الترويدة". ولعل من أكثر أنواع الغناء الفلسطيني إبداعاَ هو "المولالاة" وهو فن غنائي منبثق عن الترويدة ولكنه "مشفر"، فبدأت النساء الفلسطينيات باعتماد هذا النوع من الغناء ليعبرن باستحياء عن مشاعر الحب والشوق. يأتي هذا "التشفير" من خلال إضافة حرف اللام إلى الكلمة وتكراره بحيث تبدو غير مفهومة، على سبيل المثال أغنية "يا حلولبنا" التي تعني "يا حبنا"، و إن دل هذا النوع من الفن على شيء فإنه يدل على الذكاء الفطري عند المرأة الفلسطينية، فالتشفير ليس بالأمر السهل، إذ يعتمد على إضافة حرف «اللام» وتكراره داخل الكلمات، وفي نهاياتها أو مقاطعها الأخيرة، مع اختلاف تشكيل الحرف من كلمة إلى أخرى. فقد كانت المرأة الفلسطينية، تؤلف الكلام وتحبك معانيه ورسائله،  ثم تقوم بتشفيره مع الحفاظ على الإيقاع والموازين.

بعد أن كانت الأغنية الفلسطينية تتناول موضوعات الحصاد والحياة الريفية والأعراس والحب والحياة البسيطة التي عاشها الفلسطينيين، بدأت موضوعات أخرى تدخل على الغناء الفلسطيني مثل الثورة والمقاومة والفراق بسبب الأوضاع السياسية التي طرأت على فلسطين. فاستدعت ظروف الحياة السياسية منذ العصر العثماني أن تدخل موضوعات أخرى إلى الغناء، وتحول استُخدام تشفير الأغاني في "المولالاة" من رسائل الحب الخفية إلى نقل الرسائل السرية بين المقاومين في أماكن اختبائهم والأسرى في السجون والمعتقلات.

 

ظهور الأغنية المقاوِمة

قبل عام 1948، لعبت الأغاني الفلسطينية الاحتجاجية دورًا مهمًا في التعبير عن الاعتراض ضد الاحتلال البريطاني ووصلت ذروتها خلال الثورة العربية الكبرى، فكانت الأغاني الشعبية تستخدم لحشد الدعم تجاه الاضرابات والمقاطعات والصراع المسلح. قام الموسيقيون والشعراء الجوالون بنشر الأخبار والخطاب القومي، وناقشوا القضايا السياسية، وأشادوا بالمقاومة. ويمكن القول أن الأغنية المقاومة أصلها الشعر المرتجل أو الزجل التي كان يقوم بها هؤلاء الشعراء الزجالون. كان الزجالون المتجولون يقومون بعروض من خلال إلقاء الشعر بلحن شعبي بشكل مرتجل، وكانت هذه النصوص الشعرية المرتجلة تعتمد على المعايير السياقية، والسياسة المحلية، والأمثال، والفولكلور، والتاريخ وتتبع إيقاع وقافية دقيقة. معظم هذه الأغاني والأشعار التي وصلت لنا لم تنسب إلى كاتب أو شاعر أو زجال معين لعدم توفر تكنولوجيات التسجيل حينها واعتمد حفظها على التناقل الشفهي.

 أدت النكبة وتهجير الفلسطينيين، إلى ظهور موضوعات الفقدان والتهجير والحنين إلى الوطن التي سيطرت على الشعر والأغاني الفلسطينية. غالبًا ما كانت الأعمال من هذه الفترة تحزن على تدمير القرى الفلسطينية والنفي القسري للفلسطينيين. وفي المقابل، ظهرت أيضاً موضوعات المقاومة والأمل، فعلى الرغم من صدمة النكبة، تجسدت في الشعر والأغاني الفلسطينية أيضًا موضوعات الصمود والمقاومة والأمل في المستقبل. وأصبح الشعر والأغاني أدوات للحفاظ على الهوية الفلسطينية وتعزيز التضامن بين الفلسطينيين. وقد عبر اللاجئون الذين تجمعوا في مخيمات مختلفة في جميع أنحاء المنطقة عن شعور كبير بالخسارة والهزيمة من خلال هذا الأداء.

 

الشعر بعد النكبة

واصل الشعب الفلسطيني دوره الأدبي والسياسي، فقد شارك بشعره في كافة حروب الاستنزاف العربية الإسرائيلية، وصراعات عديدة مثل معركة الكرامة، وحرب رمضان، والاجتياح الإسرائيلي للبنان، وغيرها، ولم ينس دوره في حروب الخليج، وفي مفاوضات السلام العربية والفلسطينية مع إسرائيل وفي المقاومة ضد الصهاينة من أجل التحرير، والانتفاضة الأولى والثانية.

عند انتقال الموقف الفلسطيني بعد النكسة سنة 1967، لشكل الثورة المسلحة، ظهر شعر المقاومة، وشعر الثورة الفلسطينية، وأدى الشاعر الفلسطيني دوره الفاعل والمتفاعل في نضاله ضد الاحتلال الإسرائيلي، فقد ناضل الشاعر الفلسطيني بالكتابة من خلال تسجيل وتأريخ الأحداث، والدعوة للنضال، وتخليد بطولات الشهداء والفدائيين فيها.

تطور الشعر الفلسطيني في الجوانب الموضوعية والفكرية و الفنية، فقد تأثر بالاتجاهات والأساليب الأدبية الغربية، فبدأ منذ أوائل القرن الماضي بجانبه التقليدي الكلاسيكي ثم تحول للنمط الرومانسي بقيادة الشاعر إبراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي، ومن ثم تحول إلى النمط الواقعي الذي ظهر بوضوح في الشعر الفلسطيني المعاصر بعد النكبة. ثم أخذ الشعراء الفلسطينيون في تبني حركة الحداثة والتي كان من مظاهرها شعر التفعيلة والأسلوب الإيحائي والتجديد في الصورة الفنية.

يظهر التطور في الشعر الفلسطيني المعاصر في عدة جوانب، فمن حيث اللغة، فقد تفاعلت لغة الشعر الفلسطيني المعاصر، مع روح المجتمع الفلسطيني، وتضمن على الكثير من صور التراث والعادات والتقاليد، مثل: الألفاظ الشعبية، والأغاني والمواويل والأمثال والحكايات الشعبية. وتضمنت لغة الشعر الفلسطيني جغرافيا فلسطين مثل: الأراضي والقرى والمدن الفلسطينية، و النباتات والأشجار والثمار والورود والأزهار، والأودية والجبال والسهول وغيرها. وبالطبع أخذ الشعر الفلسطيني المعاصر حصة كبيرة في تضمين مصطلحات المأساة وألفاظها ورموزها، واهتمامها بالعديد من الأسماء التي تحمل الهوية الفلسطينية، وبهذا كان للشعر الفلسطيني دور فعال في الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية من التغيير أو الاندثار.

وتنوعت الأساليب الشعرية في الشعر الفلسطيني المعاصر على مر الوقت من بعد النكبة، فنجد مثلاً التطور من ظاهرة المطولات والملاحم الشعرية إلى القصائد القصيرة المركزة، ومن ثم الانتقال من أسلوب الفن الغنائي إلى أسلوب القصة الشعرية، فأسلوب المسرحية الشعرية والحوار الشعري. ومن بعد استخدام أسلوب القصة والمسرحية الشعرية تناول الشاعر الفلسطيني الحوار الدرامي والفن التراجيدي. بالإضافة إلى التحول من الأسلوب الخطابي والتقريري المباشرالشائع استخدامه قبل النكبة، إلى الأسلوب الإيحائي ومن ثم الرمزي بعد النكبة.

كان موضوع الغربة والشتات يعتبر من أبرز المواضيع التي تناولها الشعر الفلسطيني، ويعكس تجربة الشعب الفلسطيني ومعاناته جراء النزوح والتهجير والتشتت بعد النكبة، فيعبر الشعراء الفلسطينيون في قصائدهم عن الحنين للوطن المفقود، وعن الألم والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في جميع سياقات الغربة المحلية والإقليمية والعالمية. وتتنوع رؤى الشعراء في التعبيرعن هذا الموضوع، فمنهم من يصوّر الغربة بألوان الحزن والوحدة والشوق للوطن المفقود، ومنهم من يتناولها بروح الصمود والتحدي، ومنهم من يرى فيها مدرسة للتحمل والتكيف مع الظروف الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، يتناول الشعراء أحيانًا مواضيع مثل فقدان الهوية والانتماء، وقد يكون الشعر الفلسطيني المعاصر مشحونًا بالشعور بالظلم والاستيطان والاحتلال، مما يعكس تجربة الشعب الفلسطيني المستمرة. ومع ذلك، فإنه أيضًا ينقل روح الصمود والأمل في استعادة الحقوق والعودة إلى الوطن المحتل.

للتواصل مع دانا دجاني: https://www.danadajani.com/